يوسف المرعشلي

208

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

ثمة بعض الدروس في أوقات البطالة . وفي هذه السنة عاد إلى حلب ودخل المدرسة العثمانية فبقي أربع سنين ، ثم توجه إلى الشام فدخل المدرسة المرادية فبقي فيها خمس سنين ، حضر فيها على فضلاء الشام وقتئذ ، ومن رفقائه في الحضور محدث الشام الشيخ بدر الدين الحسيني ، وانعقدت بينهما روابط المحبة والصداقة من يومئذ ، وكنت كلما توجهت إلى الشام وزرت العلامة المذكور يسئلني عن شيخنا المترجم ويكلفني التسليم عليه . وتوجه منها سنة 1299 إلى مصر ثانية فبقي فيها سبع سنين إلى سنة 1305 ، وكان في تلك المدة يقرأ دروسا في الأزهر ، وصحّح كتبا كثيرة في المطبعة التي أسسها الشيخ أحمد البابي الحلبي ، واعتنى بذلك حق الاعتناء . وفي أواخر 1305 عاد إلى حلب فألقى عصا التسيار فيها ، وكان في تلك المدة قد فضل وتنبّل وامتلأ وعاءه علما ، فتصدر حينئذ للتدريس ، وعين مدرسا للحديث في الحجازية التي في الجامع الكبير ، ثم عيّن مدرسا للمدرسة الصاحبية تجاه خان الوزير ، وتهافتت عليه الطلاب لتلقي الحديث والفقه الشافعي والنحو وغير ذلك من العلوم ، أما علم الحديث فقد كان بارعا فيه ، إليه المنتهى فيه بلا مدافع ، وأما الفقه الشافعي فقد تفرّد في الشهباء فيه وصار إليه المرجع ، وأما النحو فقد كان فيه إماما ومعظم العلماء والطلاب الموجودون الآن ومن توفي قبل سنوات تلامذته ، قل فيهم من لم يأخذ عنه ، وكان يحضر درسه في الحجازية وأمام الحضرة في الجامع الأموي المئات من العوام ، وانتفعوا بدروسه ووعظه كما انتفع بها الطلاب . ثم عين مدرسا لمدرسة الشيخ موسى الريحاوي في محلة باب قنسرين ولما كانت الأوقاف التي وقفها الشيخ موسى المذكور قد اندرست ، وبعبارة أخرى قد ضبطت وأصبحت ملكا للناس ، سعى شيخنا رحمه اللّه في جمع دراهم من أهل البر والمعروف ، فبنى بها دارا ومخزنين ملاصقات للمدرسة ، ووقف هذه العقارات على المدرسة بتاريخ 4 شعبان سنة 1326 ، فصار بذلك لها شيء من الريع . ولما عمر محمد أسعد باشا الجابري المدرسة الدليوانية في محلة الفرافرة عيّن شيخنا مدرسا للفقه الشافعي فيها ، وقد قدمنا ذكر ذلك في ترجمة الباشا المشار إليه . ولما فتحت المدرسة الخسروية عيّن مدرسا للنحو ، وصار يقرأ شرح ابن عقيل على الألفية مع مشارفة حاشية الخضري عليه . كان رحمه اللّه ذا همة عالية في التدريس ، مواظبا على ذلك حق المواظبة ، لا يعرف الكلل ولا الملل ، لا يقطع درسه إلا لمرض يعتريه ، وكان رحمه اللّه قصير القامة ، بدينا ، مدور الوجه ، دري اللون ، ذا شيبة نيرة ، مهابا ، وقورا ، صالحا ، ورعا ، متعبدا ، قليل الاختلاط بالناس ، بعيدا عن محافلهم ومجتمعاتهم ، قل أن يحضرها لا يتطلب وظيفة ولا يتطلع لها ، عاش عيشة الكفاف ، وربما ضاقت به الحال فيتحمل ذلك ويصبر ، ولم يكن فيه ما ينتقد به عليه سوى حدة في مزاجه ترى فيه بعض الأحيان سببها قلة معاشرته وانزوائه عن الناس . وبالجملة فهو من خيار العلماء العاملين ، وللناس فيه خاصتهم وعامتهم اعتقاد عظيم ، ويحاولون تقبيل يده فلا يمكن أحدا من ذلك بل يصافح مصافحة . ولشيخنا من المؤلفات : - « حاشية على حاشية الخضري على شرح ابن عقيل » ، وسبب وضعه لهذه الحاشية أنه أقرأ شرح ابن عقيل وحاشية الخضري عليه نحو عشرين مرة ، فرأى أن يدون تقريراته على تلك الحاشية وهي في ( 600 ) صحيفة . - « حاشية على السخاوية في الحساب » . - « رسالتان في الحيض على مذهب الحنفية والشافعية » . - و « رسالة في فضل عاشوراء » و « رسالة في ذوي الأحرام » في عشرين ورقة ، و « رسالة في علم الخط » . - « رسالة في الإخلاص » . - « رسالة في الرؤيا » . - « رسالة في علم التجويد » . - « رسالة في الآبار » . - « رسالة في السلوك في الطريق » . مرض رحمه اللّه أياما نحو أسبوع ، وتوفي ليلة السبت